على مَدَى الفترة الماضية، بدأتْ تترسخ لدى المواطن العُماني قناعة بضرورة أن يكون هناك تحوُّل في دفَّة التَّعاطِي الحكومي مع المُستجدِّات المحلية والعالمية؛ وأنَّ موازين التَّعامل مع الأزمات لابد أن تخضع لمعايير أخرى أكثر حداثة؛ وأنَّ التركيز الإنمائي بدأت ملامحُه تتبلور في قوالب جديدة بتجدُّد الظروف والأحداث، وهو ما ترجمه تدشين برامج وطنية تتَّخذ وِجْهَةً جديدة تستهدف الكوادر البشرية الوطنية؛ من مُنطلق أنَّ تطوُّر المجتمعات لا يقتصر قياسه على حجم المباني والمنشآت، أو بحجم الميزانيات والإيرادات والمصروفات فحسب، بقدر ما يُقاس كذلك بالبناء المعرفي للمواطن وقدرته على بناء تنمية تحمل هُويته وسمته الخاص.. وأخص هنا -ذكرًا وليس حصرًا- مبادرتي: البرنامج الوطني للرؤساء التنفيذيين في القطاع الخاص الذي أطلقه ديوان البلاط السلطاني ممثلاً في فريق العمل للشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص “شراكة”، والبرنامج الوطني للقيادة والتنافسية المخصَّص للقطاع الحكومي، بتنفيذ من الديوان أيضًا من خلال معهد تطوير الكفاءات والذي أُعلن عنه مؤخراً.

وللحقيقة، فإنَّ الأهداف التي وُضِعَت للبرنامجيْن طموحة جدًّا وبنَّاءة، وتزامُن توقيتهما متتابعيْن يُعزز الجهود الرامية لرفع مستويات الكفاءة للقيادات التنفيذية على مستوى القطاعين، وصولاً للإجادة المستدامة في الأداء استلهاماً من رؤى عاهل البلاد المفدى -حفظه الله ورعاه- بأنَّ “الأيام في حياة شعبنا لا تُقاس بوحدات الزمن، وإنما بوزن ما تفتحه من آفاق وما تلهمه من أفكار وما حوَّلته من الآمال إلى واقعٍ حيٍّ”.

إذن، الآن نحن نتحدَّث عن تجسيدٍ واقعيٍّ لتلك الرُّؤى على أرض عملية، في صورة برامج تأهيلية وطنية، لها أهداف ورؤية مُحدَّدة، ولكن الباب دائمًا ما يُشرع مع مثل هكذا برامج أمام عديد الاستفسارات، والتي لا تقلل من نجاعة التوجُّه والتجربة إنما تهدف لتعزيز مردوداتها، خاصة وأنَّ ميزانيات هذه البرامج في العادة تكون مُكلِّفة جدًّا. وتصبُّ معظم هذه الاستفسارات في خانة تقييم هذه البرامج ودقة قياس نتائجها بشكل دقيق ومُستمر وقابل للقياس، وكفاءة مُخرجاتها وملاءمتها للمنهجيات والممارسات الإدارية الحديثة، ومناسبتها في المقابل لخصوصية التجربة العُمانية؛ ومستوى العلاقة الطردية بينها وبين ما وُضِع من أطر عامة وأسس قبول واختيار للمرشحين لها قبل بدء البرنامج؛ إذ إنَّ العبرة في النهاية ببرهنة التغذية الراجعة من المشاركين في تلك البرامج على ظهور نتائج مثمرة على المستوى الوطني والمؤسسَّي تؤكد تحقيقها للأهداف الموضوعة سلفاً.

وأنا هُنا لا أقلِّل من الدور الذي يلعبه هذا الجيل الجديد من البرامج الوطنية في التحوُّل من نظرة “بناء المكان” – والتي ترجمتْ خلال سنوات النهضة المباركة إلى تنمية شُمولية بمعنى الكلمة- إلى استشراف مُستقبل وطني شعاره “تأهيل الإنسان” الذي يُمكنه عمارة الأرض، والبناء على ما تحقق لغدٍ أكثر نماءً وتطورًا، بقدر ما هو طموح مواطن في أن تحقق تلك البرامج الآمال المعقودة عليها، خصوصاً وأنَّ أحدًا لا يُمكنه القول بأنَّ إطلاق وتحريك وضمان نجاح برنامج وطني لتأهيل القيادات هو أمرٌ روتينيٌّ وفي المتناول، بل على العكس تمامًا فهي خطوات مركَّبة تتطلَّب وضوحاً واستقراراً في الرؤية والأهداف، وقدرة ومهارة في التنفيذ، وثباتاً للبقاء ضمن المسار المرسوم للمدى الزمني المُحدَّد؛ فمثل هذه البرامج يُشترط لتنفيذها أن تتعمَّق لتصل للجذور، حتى تؤسِّس لجيل ريادي قيادي فاعل أعلى إنتاجية وتنافسية؛ ولعلَّ هذا ما عناه الفيلسوف الأمريكي رالف والدو إيمرسون؛ حينما قال: “سوف ترتقون دائماً في حياتكم بمقدار المسؤولية التي تكونون مستعدين لتحملها”.

إنَّ التأكيد على ضرورة إجراء تقييم شامل ومُستقل لنتائج ومخرجات برامجنا الوطنية؛ بناءً على مُؤشرات ومَعَايير قياس كمية، والتعامل بشفافية وانفتاح مع الأرقام والإحصاءات في تقييم الأهداف والنتائج؛ لتحويلها إلى وثيقة ترسم معالم الطريق، إنما منشؤه أننا وبعد عامين ونصف تقريبًا من اليوم أي عندما تشارف رؤية “عُمان 2020” على الانتهاء، وتأهبُّنا كذلك لبداية خطةٍ خمسيةٍ جديدة؛ ستكون الكثير من المستجدات قد أخذت مكانها محليًّا وعالمياً، ورسمت واقعاً جديدًا قد يختلف كثيرا عن ظروفنا وتحدياتنا الراهنة: اقتصاديًّا، واجتماعيًّا، وديموغرافيًّا، إضافة للمتغيرات المتوقَّع حدوثها إقليميًّا ودوليًّا؛ وهو ما يعني ضرورة حساب كل خطواتنا ورفع سقف توقعاتنا لتطوير مخرجات كافة برامجنا المتخصِّصة، وتحديدًا تلك التي تسعى لإعداد كوادر وطنية مؤهَّلة للتعامل مع الفرص والتحديات المستقبلية، ولا مانع من التركيز على إبرام شراكات إستراتيجية مع الشركاء الأكاديميين والمهنيين القادرين ليس فقط لنقل المعرفة وتوطينها في السلطنة، وإنما لإحداث الأثر المتوقَّع لدى المستفيدين من هذه البرامج، لاسيما وأننا بدأنا نَضَع خطواتنا الواثقة والمُحدَّدة على طريق التنويع الاقتصادي؛ أي أنَّ خارطة مُستقبلنا الاقتصادي ستكون مليئة بالعديد من الفرص التي تحتاج قيادات وكوادر وطنية عالية الكفاءة؛ تكون على دراية وإلمام كامليْن بطرق إدارتها وتحقيق أعلى درجات الاستفادة منها.

ويبقى القول في الأخير.. إنَّ نجاحَ كل هذه البرامج سيبقى رَهْن مَدَى تمكين هذه القيادات الشابة، والثقة بقدراتهم، وإعطائهم الفرصة وإفساح المجال لهم بالمشاركة الحقيقية في إدارة عجلة التنمية؛ فالإيمان الحقيقي بقدرتهم على تحمُّل المسؤولية لا يكتمل بتدريبهم، إنما بتمكينهم على أرض الواقع.

ammaralghazali@hotmail.com