أثناء مأدبة عشاء في سبنسر هاوس في لندن في نيسان (أبريل) عقدها الممول جيكوب روتشايلد، وجه المضيف الثمانيني لضيوفه القادمين من صندوق الثروة السيادية في كازاخستان توبيخا لطيفا.
المسؤولون التنفيذيون في الصندوق كانوا قد أمضوا ذلك اليوم وهم يشرحون للمستثمرين المحتملين برنامج الخصخصة الخاص بهم، الذي طال انتظاره، لبيع شركات تديرها الدولة بقيمة 70 مليار دولار. انتاب اللورد روتشايلد شعور مزعج وكأنه عاش هذا الموقف من قبل.
قال: “هذه مأدبة العشاء الثانية التي نعقدها، ومن دواعي سرورنا أن نستضيفكم جميعا مرة أخرى. ونحن جميعا نرغب في المساعدة لتحقيق هذه الجولة من عمليات الخصخصة الكازاخية بأسلوب ناجح لفترة طويلة”. وأضاف مبتسما: “لكن العملية تحتاج إلى التمحيص أولا”.
كان هذا المصرفي البالغ من العمر 81 عاما، والقريب منذ فترة طويلة من رئيس كازاخستان القوي، نور سلطان نزارباييف، يحاول معابثتهم. لكن كانت لديه رسالة جادة لم يفت مرماها على جمهوره. فقد كانت كازاخستان تقدم وعودا بخصخصة أكبر شركاتها التي تديرها الدولة منذ ما يقارب سبع سنوات ولم يصل أي منها إلى السوق.
وهذا التأخير دليل على وضع مرضي أوسع. هناك عدد وافر من التعهدات بإجراء إصلاحات تنتظر في خانة “الوارد” التي تزداد امتلاء في المكاتب الحكومية، والتي تتعرض للتأخير بسبب البيروقراطية المتزايدة، والمصالح المكتسبة، والقصور الإداري الذي يسعون للتخلص منه. لكن هذه المرة، بحسب ما يقول مسؤولون ووزراء وتنفيذيون، هم يعنون ما يقولون. خطة الإصلاح الطموحة التي أعلن عنها في كانون الثاني (يناير) والتي تشمل تقريبا كل أجزاء الاقتصاد سيتم تنفيذها بالفعل، بحسب ما يقولون.
البدء في عملية الخصخصة ما هو إلا مرحلة واحدة فقط من لغز مترابط من الإصلاحات، جنبا إلى جنب مع تطهير قطاع الصناعة المصرفية، وإصلاح النظام الضريبي، وقمع الفساد. في الوقت نفسه، تعمل البلاد على تأسيس مركز مالي جديد وبورصة أسهم في أستانة لاجتذاب رأس المال الأجنبي، وإصلاح قوانينها الزراعية، والقوانين الخاصة بالأراضي، وإعادة ضبط استراتيجيتها التجارية للاستفادة من كل من منطقة التجارة التي تقودها موسكو، التي تعرف باسم “الاتحاد الاقتصادي الأوراسي”، وطموحات بكين الإقليمية. وكل واحدة من هذه الخطوات تتطلب تحقيق النجاح في الخطوات الأخرى.
في عصر أصبح فيه الحماس للخصخصة آخذ في التراجع في أنحاء العالم كافة، تشجع كازاخستان ذلك النوع من برامج إصلاح السوق التي كانت شائعة جدا بين البلدان النامية في فترة التسعينيات.
زينيس قاسمبيك، وزير الدولة للاستثمارات والتطوير، قال لـ “فاينانشيال تايمز”: “نأمل أن يكون العامان المقبلان، أو الأعوام الثلاثة المقبلة مختلفة بالنسبة لكازاخستان”. وتابع: “نريد تغيير بنية الاقتصاد في بلادنا. لكن من أجل تحقيق هذه المهمة، نحتاج إلى استثمارات أجنبية. ولبلوغ هذا الهدف نحتاج إلى أن نغير جذريا ليس فقط صورة بلادنا، بل أيضا التشريعات والقواعد – جوهر ذلك كله”.
التقدم البطيء الذي تم تحقيقه حتى الآن يثير الحيرة. بطل الإصلاحات هو نزارباييف نفسه، وهو رجل ظل في السلطة فترة أطول من عمر الدولة الحديثة. لكن في الوقت الذي يتسم فيه نظام حكمه بكثير من القواسم المشتركة مع الاستبداد – بما في ذلك القيود الثقيلة المفروضة على حرية التعبير وغياب المعارضة السياسية – افتقر حتى الآن إلى القدرة على فرض مطالبه بالإصلاح من خلال مجموعة من المتنفذين الحزبيين الذين يريدون بقاء الأمور على حالها.
باعتبارها دولة غنية بالنفط، وجمهورية سوفياتية سابقة يتحكم فيها رجل واحد فقط، تظهر على كازاخستان كل السمات المميزة للمنطقة. وبوقوعها بين روسيا والصين، بحجم أكبر من أوروبا الغربية لكن بعدد سكان هولندا نفسه تقريبا، خضعت تجربتها منذ عام 1989 لمراقبة دقيقة كونها مقياسا لآسيا الوسطى، حيث كثرت المخاوف المتعلقة بعدم الاستقرار وولدت ثروة الموارد الطبيعية فيها كلا من حكم القلة والفساد.
اليوم، يتعرض وضعها لضغوط. انهيار أسعار السلع الذي حدث في عام 2014 عصف بصادرات كازاخستان من النفط والمواد الخام، ما أدى إلى تراجع النمو في الناتج المحلي الإجمالي إلى 1 في المائة فقط في عامي 2015 و2016، وهو أبطأ معدل منذ ما يقارب 20 عاما. وكشف ذلك اعتمادها على الهيدروكربونات وعدم كفاءة قطاعاتها الزراعية والتصنيعية والتجارية.
وثمة مخاوف تتعلق بتقدم نزارباييف في العمر ـ يبلغ 77 عاما في الشهر المقبل. قبل تسعة أشهر، شهد وفاة إسلام كريموف، نظيره الأوزبكي، وهو في مكتبه عن عمر يناهز 78 عاما. ويقول مسؤولون رسميون، إن تلك الصدمة أوضحت أن عليه مضاعفة جهوده لدفع الإصلاحات قدما.
يقول دبلوماسي أجنبي في أستانة: “كانت هناك موجة تقليص للآثار الروسية هنا، لكن لا توجد حتى الآن تلك الموجة المعادية للآثار السوفياتية. هم يعلمون أن هناك الكثير الذي يتعين فعله. لكن هناك قوى جبارة في جميع الأنحاء تدفع في الاتجاه نفسه، يجب أخذها في الحسبان”.تفكيك العصبةهذا الشهر بدأت وفود 120 بلدا تقريبا بالوصول إلى أستانة لحضور معرض إكسبو 2017، وهو منتدى يدوم ثلاثة أشهر يأمل نزارباييف أن يكون الممارسة الأكبر للعلاقات العامة في تاريخ الاقتصاد الذي تبلغ قيمته 184 مليار دولار، وأن يقنع المستثمرين بأن برنامج الإصلاح حقيقي.
وكازاخستان، أكبر بلد غير ساحلي في العالم، يعتمد بشكل كبير جدا على التجارة والاستثمارات الخارجية. لكن هذا غالبا ما كان يتم تقويضه من قبل الإرث السوفياتي المتمثل في دور الدولة المفرط في الاقتصاد.
في الوقت الذي ساعدت فيه الشركات التي تديرها الدولة في تمويل حلم نزارباييف المتمثل في بناء أستانة – مدينة بنيت لتحقيق هدف معين ذات أبراج زجاجية ومعدنية وذهبية فائقة الحداثة- خلال 20 عاما فقط، عملت أيضا على خلق عصبة من أقطاب الأعمال المحليين الذين يشكل الإصلاح تهديدا لمصالحهم.
الشركات الرئيسية المملوكة للدولة، مثل شركة الغاز والنفط “كازمونايجاز”، وصندوق الثروة “سامروك- كازينا”، وشركة إنتاج اليورانيوم “كازاتومبروم”، هي بمنزلة جوائز أصبح نظامها الإداري ووظائفها التنفيذية ذات الأجور العالية عبارة عن مكافآت مجزية يحظى بها الموالون للنظام، أو العائلات القوية. ويتبادل سماسرة السلطة المحلية أدوارا رئيسية في الشركات المملوكة للدولة، أو يسيطرون على الوزارات.
على هذا النحو كانت هناك مقاومة شديدة تقف في وجه المبادرات السابقة الهادفة إلى الحد من سيطرة الدولة على الاقتصاد، واجتذاب رؤوس الأموال الغربية، وإدخال معايير دولية لحوكمة الشركات – كما واجهت الجهود الهادفة إلى دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لتمكينها من التنافس مع الشركات العامة الكبرى.
يقول تيمور سليمانوف، وزير الاقتصاد: “بصرف النظر عما إذا كانت النتائج جيدة أو سيئة، لدينا سلطة رأسية قوية. الإصلاحات تتم رعايتها ومتابعتها من قبل الرئيس. فهو يريد تنفيذها”.
هذه لازمة تكررت مرات عديدة. لكن سليمانوف يقول في حين أن قائمة المهام المطلوب تنفيذها طويلة على نحو يثبط الهمة، إلا أن الكتلة الحرجة تجعل من المرجح أن يتم الدفع بها إلى حيز التنفيذ.
ويقول الوزير البالغ من العمر 39 عاما، الذي هو جزء من مجموعة من المسؤولين الحاصلين على تعليم في جامعات عالمية، والذين عملوا أخيرا على تسريع دولاب الدولة الخاضع لسيطرة محكمة: “لدينا دولة كبيرة. في كل شيء: الملكية، والروتين الحكومي، والسلع، وخدمات الإنتاج. نحن بحاجة إلى إدارة ذلك بشكل أفضل، وهو جانب من الإصلاحات. ونحن بحاجة إلى تقليل ذلك. والخصخصة بند كبير على جدول الأعمال”.
ومن شأن خصخصة أكبر الشركات التي تديرها الدولة أن تكون الإنجاز الأكثر وضوحا للجهود المتجددة. شركة كازمونايجاز هي أكبر شركة للنفط والغاز في كازاخستان، فهي تنتج نحو ثلث النفط الخام المنتج في هذا البلد الذي يحتل المرتبة الـ 14 في قائمة أكبر منتجي النفط في العالم. ويمكن القول إن “كازاتومبروم” هي أكثر من مجرد جائزة، فهي تمثل 40 في المائة من إنتاج اليورانيوم العالمي وتتحكم في ثاني أكبر احتياطاته المثبتة.
ولن تمضي مبيعات الحصص، في الشركات المدرجة داخليا وخارجيا، من دون الإطلاق الناجح لمركز أستانة المالي الدولي الجديد، المقرر افتتاحه هذا الشتاء، الذي يعتمد بدوره على قوانين جديدة تسمح للقوانين البريطانية والقضاة الدوليين بالبت في المسائل التجارية التي تؤثر في الشركات القائمة هناك. وفي الوقت نفسه، سيكافح مركز أستانة المالي الدولي من أجل الانطلاق، إذا كان القطاع المصرفي المضطرب في البلاد غير قادر على تقديم السيولة للمستثمرين. ولإصلاح ذلك، يجب على الحكومة أن تتابع عملية تنظيف كبيرة للمصارف التي تعاني ديونا معدومة.
حتى الآن أنفق البنك المركزي 7.6 مليار دولار لإنقاذ أحد المصارف المهمة من الناحية النظامية، وهو في طريقه إلى إجبار المصارف على الاندماج لزيادة الاستقرار. ويتوقع مختصون أن تحتاج المصارف إلى 1.5 مليار دولار أخرى من المساعدات الحكومية على مدى العامين المقبلين.
بعد تحقيق كل ذلك، يمكن لكازاخستان المضي قدما في أهدافها ذات الطابع الاسمى لتطوير مركز الطاقة الخضراء والتكنولوجيا في أستانة، إلى جانب مبادرات أخرى لاستخدام الثروة النفطية لتعزيز النمو في القطاعات غير الاستخراجية.
ويجري بالفعل إحراز تقدم مؤقت. فقد تم اختيار المصارف الاستثمارية التي ستتولى عملية الإدراج مع التعويم في لندن. وتم الاتفاق على اندماج أكبر مصرفين في البلاد هما “هاليك” و”كازكومرتسبانك”. ووافقت بورصات عالمية على دعم بورصة أستانة.
وفي كانون الأول (ديسمبر) الماضي تم إرسال وزير إلى السجن بسبب الفساد. وقال سليمانيوف إنه يتوقع من الحكومة السماح لـ “واحد أو اثنين” من المصارف المملوكة من قبل أنصار السلطة أن تنهار خلال الـ 12 شهرا المقبلة، الأمر الذي يرسل رسالة بأن الدولة لن تستمر في دعم المصارف المتعثرة. لكن ليس الجميع مقتنعا بذلك.
تقول أوموت شاياكمتوفا، الرئيسة التنفيذية لمصرف هاليك: “الأمر الجيد هو أن في أذهاننا كلمات مثل التنويع والخصخصة والعولمة والتحرر. لكن مع الأسف، لا توجد خطوات ملموسة بعد”. وتضيف: “الدولة لم تقلص من دورها حتى الآن، ومن حصتها في الاقتصاد. ما زلنا نتوقع إصلاحات على صعيد التحرير لجعلها أقرب إلى اقتصاد السوق”.ظهور المشاكلالعثور على وسيلة للاستفادة الكاملة من موقع كازاخستان على الخريطة هو الجزء الأخير من لغز الإصلاح الطموح لنزارباييف.
بنيت وسائل النقل في العصر الشيوعي في البلاد من الشمال إلى الجنوب، وهي مفصلة على غرار الشبكة السوفياتية العظمى مع وجود موسكو في مركزها. وعلى هذا النحو، كانت أستانة مشجعة لمشروع “حزام واحد وطريق واحد” الصيني لإحياء “درب الحرير” بين الشرق والغرب؛ بين أوروبا وآسيا، ما يجعلها مركزا جغرافيا للكتلة الأوراسية.
لكن المشروع الجيوسياسي الطموح ليس خاليا من المشاكل. في العام الماضي اندلعت احتجاجات بعد أن حرر نزارباييف القواعد المتعلقة بالملكية الأجنبية للأراضي، ما سمح للمستثمرين الصينيين بحصة في القطاع الزراعي في البلاد. كانت نوبة نادرة من السخط العام ضد حكمه، سلطت الضوء على عصبية عميقة الجذور لدى الكازاخيين – الذين يدافعون بشدة عن استقلالهم الذي مضى عليه 26 عاما – ضد التدخل الأجنبي.
النظام الذي أصيب بالذهول أوقف الإصلاحات. لكن إيجاد وسيلة لاحتضان الاستثمار الأجنبي والملكية الأجنبية، حتى لو كان ذلك يعني السماح لجيرانها الأقوياء بنفوذ أكبر، هو مفتاح لغز الإصلاح الأوسع. وفي الفترة الأخيرة أثارت رغبة أستانة في تحسين البنية التحتية خوفها من فقدان السيطرة الاقتصادية، بعدما اشترت شركات صينية الشهر الماضي 49 في المائة من ميناء بري فى خورجوس على الحدود مع شينجيانغ، وهى منطقة تتمتع بحكم ذاتي شمال غربي الصين. كذلك تمول بكين خطوط سكك حديدية جديدة، ووقعت الدولتان هذا الشهر على صفقات استثمارية قيمتها ثمانية مليارات دولار.
ليس هناك وقت ليضيع. عرض كازاخستان لاجتذاب المستثمرين هو أنهم إذا استثمروا فيها، سينتفعون من المساندة المحلية والإصلاحات، ويتمتعون في الوقت نفسه بحرية الوصول إلى المستهلكين الآخرين البالغ عددهم 164 مليون مستهلك في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
يقول باور بكتميروف، العضو المنتدب لدى AIFC: “مع الأسف غالبا ما يتم الخلط بيننا وبين روسيا. ويرتبط اسمنا بالفساد وغياب الشفافية. بطبيعة الحال هذا صحيح إلى حد ما”. ويضيف: “الجدول الزمني صارم. الأمور لن تصبح أسوأ. لا مجال أمامها سوى التحسن”.

 

 

المصدر :