قال صندوق النقد الدولي إن السلطنة حددت أهدافا طموحة وملائمة للمالية العامة في ميزانية 2017، وإذا ما تحققت فإنها ستؤدي إلى تخفيض العجز بمقدار النصف تقريبا ، ليصل إلى 12% من إجمالي الناتج المحلي، كما إن استمرار انخفاض أسعار النفط يؤكد الحاجة إلى إجراء تعديلات مستمرة في المالية العامة، بالإضافة إلى التعجيل بتنويع النشاط الاقتصادي، وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص من أجل تنشيط الاقتصاد.

جاء ذلك في تقرير أصدرته بعثة الصندوق ورصدته “أثير”، حول الاستنتاجات الأولية المستخلصة من زيارتهم الى السلطنة في هذا الشهر. ، وجاء في التقرير أن النظام المصرفي العماني يتمتع بمستوى جيد من رأس المال، كما زادت الودائع ،وتراجعت ضغوط السيولة، ولا يزال نمو الائتمان المقدم إلى القطاع الخاص مستمرا. وزاد إجمالي الاحتياطيات في البنك المركزي
العماني من 17.5 مليار دولار إلى 20.3 مليار دولار في عام 2016م، الأمر الذي يعد كافيا وفقا لعدد من المقاييس، وإن ربط سعر الصرف بالدولار الأمريكي ملائم للاقتصاد العماني في هيكله الحالي.

وحول التقرير تواصلت ” أثير” مع الدكتور سعيد الصقري رئيس الجمعية الاقتصادية العمانية، الذي ذكر أن رأي التقرير لا يشير إلى أهمية تخفيض الإنفاق المتكرر بشكل أساسي لاستدامة سلامة وضع المالية العامة، كما لإنه ايشير إلى أهمية فرض ضريبة دخل على أصحاب الدخل العالي وعلى سلع الرفاهية.

وأضاف الصقري في حديثه لـ “أثير” إن الفرق بين الإيرادات العامة والنفقات يزيد عن 4 مليارات ريال عماني، وسعر النفط الذي يغطي أجور ورواتب الموظفين يجب أن لا يقل عن 60 دولارا للبرميل الواحد، بينما سعر تعادل الميزانية 74 دولاار للبرميل الواحد، والفرق بين السعر المحقق من النفط وسعر التعادل يزيد عن 32%، فكيف يمكن تحقيق الاستدامة المالية على المدى
المتوسط؟

وأفاد الصقري بأن الاستدامة تتطلب حفظ الإنفاق المتكرر بشكل جوهري وهذا لم يتم حتى الآن، فكل الإجراءات الخاصة بالترشيد والتخفيض ورفع الرسوم والضرائب سترفد المال العام بمليار ريال عماني واحد فقط في أفضل الأحوال، فإذا كان الدخل من النفط يساوي 5 مليارات، ومن المصادر الأخرى ملياريّ ريال، ومن الإجراءات الاحترازية والترشيد ورفع الرسوم والضرائب وغيرها مليار ريال، فإن العجز سيكون في حدود 4 مليارات، على اعتبار أن الانفاق 12 مليارا، وهذا العجز لا يمكن استدامته.

كما أشار الصقري إلى أن تصريح معالي الوزير المسؤول عن الشؤون المالية مؤخرا يعكس توجه الحكومة في أنها ترسل هذا النوع من الرسائل لطمئنة الناس والعالم حول سلامة الأوضاع المالية والإقتصادية.

من جهة أخرى، تواصلت ” أثير” مع آن الكندية من الجمعية الاقتصادية العمانية حول تقرير الصندوق، وأفادت الكندية لـ “أثير” بأن صندوق النقد الدولي بشكل عام يقدم دائما نصائحا بخطوط عريضة، وذلك دون الخوض في التفاصيل، ونصائحه عبارة عن رسائل للحكومة لما ينبغي فعله من ترشيد للإنفاق ورفع للضرائب والرسوم ورفع الدعم وغيرها، دون النظرة الكلية للوضع السياسي والاجتماعي للبلد.

وأضافت الكندية بأن الصندوق يمرر هذه النصائح للدول بشكل عام، وتركز على أهمية ضبط المالية في الفترة الحالية بسبب انخفاض أسعار النفط ، وهذه النصائح تركز اجمالا على الجانب المالي دون تركيز مكثف على كيفية تحفيز النمو الاقتصادي وتحسين بيئة الأعمال. ومن الإنصاف القول بأن ليست هذه وظفية صندوق النقد الدولي بل واجب الحكومة في كيفية الاستفادة من الكوادر البشرية نحو تحقيق الاهداف المنشودة.

وحول الوضع المالي كما ناقشته الجمعية مع فريق الصندوق الذي زارها خلال تواجده في السلطنة، أضافت الكندية لدينا قوانين لم تصدر، منها قانون الاستثمار وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص وقانون العمل، ووظيفة الحكومة هي توفير البيئة المناسبة لإنعاش الأعمال وجلب الاستثمارات محليا وخارجيا. ولو تسائلت لم كل ذلك لم يتم؟ هل لدى الحكومة الكادر البشري المؤهل في موقعه المناسب حتى يقوم بهذه الأعمال؟ أم هناك استمرار نحو الاعتماد على الشركات الاستشارية؟

وبالحديث عن الجهود المبذولة في هذا الجانب، وجدت الكندية بأنه يفترض أن يتم العمل على خطين موازيين، وهما خط الاصلاح المالي و خط الاصلاح الاقتصادي الشامل ،وهذا الكلام تحدثت به الجمعية أمام بعثة صندوق النقد الدولي أثناء زيارتها للجمعية، عبر تضبيط الوضع المالي والإنفاق الذي لا زال لم يربط بكفاءة الأداء الحكومي حتى الآن، بالإضافة إلى العمل بشكل متوازي لتحديث الجهاز الإداري للدولة وتهيئة بيئة الأعمال وحل المشاكل كلها هنا، سواء كان للسياحة أو الصناعة أو حتى قطاع الخدمات واللوجستيات. وأشارت إلى التحول الالكتروني الذي دائما يُغفل الحديث عنه على الرغم من وجود خطة تنفيذية من مجلس الوزراء تم إقراراها حول التنفيذ ولم تعرض للنقاش، ولم تناقش حتى خلال برنامج تنفيذ بينما هي شي أساسي، معتبرة أن التحول الالكتروني وهندسة الإجراءات ستقلل من التواصل البشري وبالتالي تحد من الفساد وهذه اشياء مرتبطة ببعضها.

وأضافت بأن الجمعية طرحت سؤالا لفريق الصندوق الدولي، أين خطة الحكومة على المدى المتوسط لمواجهة الظروف المالية الناتجة عن انخفاض سعر النفط؟ أم أن الخطة هي الاقتراض من أجل تسديد كل عجز سنويا؟ إذ يتوجب عرضهاعلى مجلس عُمان، ونحن اليوم بحاجة الى نظرة شمولية وحلول متكاملة، منها على سبيل المثال مسألة دمج صناديق التقاعد، وضرورة وضع سياسات اقتصادية أقرب أن يقوم بها المجلس الأعلى للتخطيط كونه الجهة الاستراتيجية التخطيطية للبلاد، فكيف يتم عمل خطط تنموية بدون سياسات اقتصادية؟

وختمت آن الكندية حديثها لـ” أثير” بقولها إن الفترة القادمة ليست سهلة، حتى في حالة ارتفاع سعر النفط سيتم صرفه على المصاريف الجارية، والحلول المالية الشمولية غير موجودة، فكيف ستنعش الاقتصاد؟ مضيفة بأن هناك فرصا ضائعة ، وعلى الرغم من ذلك فنحن متفائلون بهذه الظروف بأنها ستسهم في تحسن الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والتي نحن بحاجة لها خصوصا مع وجود مجتمع نصفه من الشبابـ وفي ظل المقومات الحقيقية التي تمتلكها السلطنة وهي المكانة الدولية التي بناها صاحب الجلالة حفظه الله على مدى ٤٦ عاما، والاحترام الدولي والبنية التحتية شبه المكتملة، آن الأوان توظيفها لمستقبل أكثر اشراقا.

وأشار تقرير صندوق النقد الدولي الذي رصدته “أثير” إلى أن السلطنة تبذل جهودا لتحويل أهداف خطة التنمية التاسعة إلى إجراءات فعلية، عن طريق البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي ” تنفيذ”، وسيؤدي النجاح في تنفيذ هذه المبادرات إلى تحسين آفاق النمو على المدى المتوسط، وسيؤدي إلى تحسين بيئة الأعمال، بما يشمله ذلك من ترشيد الإجراءات التنظيمية، ورفع مستوى المهارات المهنية، ودعم الجهود المبذولة لزيادة توظيف العمالة في القطاع الخاص. ومن المتوقع أن يرتفع التضخم هذا العام، نتيجة للزيادة المتوقعة في أسعار السلع الغذائية المستوردة، واستمرار تأثير إصلاحات
الدعم، ولكنه سيتراجع في وقت لاحق.

وذكر فريق بعثة صندوق النقد الدولي في تقريرهم أيضا أنهم اتفقوا مع السلطات في السلطنة على أن الحفاظ على استمرارية أوضاع المالية العامة ودعم سعر الصرف على المدى المتوسط إلى الطويل يتطلبان إجراءات إضافية للضبط المالي، إلى جانب الإجراءات المقرر تنفيذها بالفعل، وحث فريق البعثة على أنيكون الضبط المقترح مرتكزا على إطار متوسط الأجل للمالية العامة، كما أوصوا بأن تتضمن الإجراءات الإضافية إلغاء الدعم المتبقي بالتدريج، وضغط الإنفاق الحكومي – سواء المتكرر أو الرأسمالي – وزيادة الإيرادات غير النفطية.

المصدر : صحيفة أثير الالكترونية