المقال الفائز بالمركز الثاني

في مسابقة الجمعية الإقتصادية العمانية

مقال

صناعة التعمين الذكي: إحلال الكم بالكيف

يعقوب بن حمد بن خصيب السعيدي

 

المقدمة:

صعود عُمان -الدولة الحديثة- في 1970 أعيق بتحديات كُبرى، ولمحدودية الخيارات –حينها- لأسباب تتعلق بالحاجة لتطوير البنية التحتية لعدد من القطاعات الاقتصادية قبل الإستفادة من الإيرادات، أنتقت الحكومة القطاع النفطي ليصبح الأداة الدافعة لمشروع تجاوز هذه التحديات “النهضة”. تمكن هذا القطاع من النهوض بالدولة ولكن –على المدى الطويل- أفرز هذا الخيار معضلتين: الأولى بنشأت اقتصاد ريعي يتمحور أساساً حول مساهمة القطاع النفطي ويفتقر لمساهمة قطاع الصناعات التحويلة، والثاني بتشكل سوق عمل قائم على العمالة الأجنبية ومنافس للعامل العُماني. المشكلة الأخيرة حاولت الدولة معالجتها ببرنامج التعمين؛ والذي تبين –لاحقاً- أنه السبيل الأمثل لمعالجة عقبات أخرى؛ كمحو التجارة المستترة، واستدامة تدوير الأموال بالدولة، بجانب الحفاظ على العقول للنهوض بمجلات الابتكار والابحاث بعد الاستثمارات المكلفة في مجالي التعليم والتدريب. ولكن التعمين –حاليـاً- أمام تحديات كُبرى تتمثل أبرزها باستعادة التوازن بالسوق بعد التراجع بنسب التعمين خلال 2011(1)؛ واستيعاب العمالة العمانية التي تتزايد بنسبة 40ألف سنوياً خلال 2016-2020(2). ولذلك تأتي هذه المقالة لتشخص أبرز التحديات، واقتراح الحلول نحو صناعة التعمين الذكي.

هدف الدولة من التعمين يمكن التعبير عنه بما أشار إليه تقرير البنك الدولي (3)1994، بأن يضمن التعمين مشاركة العمالة العمانية بالوظائف العُليا، وزيادة حجم العمالة العمانية للحجم الكلي للعمالة بالاقتصاد، وبالرغم أن فكرة “التعمين الذكي” –التي تقترحها هذه الورقة- تنتهي بتحقيق الأهداف المشار إليها، إلا أنها لا تعتمد على الاحلال، بل أن “أداة التعمين الذكي” تعتمد على معالجة التحديات نحو تطوير مشاركة العمالة العمانية في القطاع الخاص، وربط التعليم والتدريب والتشغيل وصولاُ لتعزيز تنافسية العمالة العمانية بسوق العمل.

أزمة التعمين ترجع لعدد من الأسباب المترابطة يتقدمها –زمنياً على الأقل- اقتصاد الدولة النفطي وذلك بالنظر لحجم مساهمة القطاع النفطي بالاقتصاد بالمقارنة مع القطاعات الأخرى. وتأثير هذا الاعتماد النفطي على التشغيل يتمثل بمرحلتين: الأولى حينما قاد القطاع النفطي نشاط أعمار الدولة المتسارع دُعم بقطاع تعليم وطني ناشئ؛ وبالتـالي نشأ عجز بسوق العمل غُطي بعمالة أجنبية، والذي مكّن العمالة الأجنبة من تولي إدارة الوظائف العليا مبكراً “والتي يحاول التعمين أستهدافها”(3). والثاني يتمثل بإستغلال أرباح النفط لتشغيل العمالة العمانية بالقطاع المدني، ولأن التشغيل ارتبط بارباح النفط؛ فالتشغيل مرتبط أيضا بتقلبات أسعار النفط. وتتضح هذه العلاقة بين التشغيل وعوائد النفط بالنظر لكتاب الأحصاء السنوي (4)2017 حيث أن حجم تشغيل العمالة العمانية بالقطاع المدني خلال 2016-2014 قد تراجع بالمقارنة مع الفترة 2012-2009 ويبدو أن السبب هو تراجع سعر النفط. ولذلك ينبغي أن يرتبط التعمين مع قطاعات أكثر أستقراراً كأنشطة القطاع الخاص.

الاعتماد على القطاع النفطي ساهم أيضاُ بنشأة نظرة مجتمعية تعتبر القطاع المدني أو النفطي والأنشطة المرتبطة أنها البيئة الأمثل للعامل بالمقارنة مع بقية أنشطة القطاع الخاص. ومن الممكن أن تعزى هذه النظرة أيضا لمجموعة خصائص بيئة العمل. فالقطاع المدني يمتلك امتيازات مالية “موحدة-مستقرة-مرتبطة بسلم مالي”، وأجر تقاعدي يُحتسب بنسبة 4%(5)؛ يقابل ذلك تباين بأجور القطاع الخاص لنفس الدرجة العلمية والوظيفة، وفارق بنسبة 1% باحتساب الأجر التقاعدي(5)(6). هذه الفروقات المالية دفعت بعض العمالة العمانية لترك القطاع الخاص بإعلان الحكومة عن 50ألف وظيفة بالقطاع المدني عام 2011 سعياً وراء فرص وظيفية بالقطاع المدني(1)(7). ولمعالجة الفروقات بين القطاعين شَرّعت الدولة قانون الحد الادنى للأجور(8)، وقانون تحديد العلاوة الدورية(9). لكن هذه القوانين لم تنجح كُلياً فلا يزال الفرق المالي بين القطاعين 226ريال؛ وبإعادة صياغة قانون العلاوة الدورية(9) ليستثني العامل الأجنبي، وكنتيجة لتحديد الحد الأدنى لأجور، ومساهمة أرباب العمل بنسبة 10.5% بنظام التأمينات الاجتماعية(5) زادت الكلفة التشغيلية للعماني بمقابل العامل الأجنبي. وهنا يستنتج أن التعمين أمام معضلة فثبات الأجور يمهد لزيادة الفرق المالي بين القطاعين، وبزيادتها (الأجور) تزداد الكلفة التشغيلية للعماني دون الأجنبي؛ لذلك الوصول للتعمين يحتاج لتعزيز التنافسية بمراجعة نظام الكفالة وقانون الأجور للتحكم بمتغير الكلفة التشغيلية؛ والتحكم بالفرق المالي بين القطاعين بمعالجة المشكلات الاقتصادية التي من الممكن أن تدفع الدولة لتعديل سلم الدرجات المالية .

توزيع العمالة العمانية بين القطاع المدني والخاص لا يتماشى وتوجهات التعمين، التي تستهدف القطاع الخاص نظراً لعدد العمالة العُمانية المنخفض “200ألف” لحجم العمالة الكُلي “2مليون”(4) وبنسبة تعمين 12% عام 2016(11)؛ النسبة الأخيرة ستتزايد ببطيء فمسح الخريجين 2015(21) أوضح أن 47,7% من الخريجين ألتحق بالعمل؛ لكن نسبة 33% فقط توجهت للقطاع الخاص بالرغم أن القطاع الخاص أستقبل قرابة 200ألف عامل أجنبي بالعام نفسه(4). تخطي العمالة العُمانية للأجنبية يُعَلَل لعدم ملائمة شرط (المؤهل-التدريب-الخبرة) مع المتطلبات، أو  نقص بالمهارات الشخصية واللغوية؛ وهو ما دفع 19.3% من الشركات لتوفير برامج تدريب لمهارة اللغة الإنكليزية(31).

ويمكن أعتبار سياسة الدولة لموائمة المخرجات مع احتياجات سوق العمل كأداة تعمين، لكن لا ينبغي للمؤائمة أن تقتصر بالتحكم بأعداد الخريجين بل بنوعية الخريجين أيضاُ، وهذا الأخير يتحقق بإستيفاء المخرجات لمعاير مركز المعاير والاختبارات المهنية –المشار إليه بخطة تنفيذ-. ويمكن لمقترح مسح أرباب العمل بتعدد المسارات (أكاديمي، مهني، تفني) أن يساهم بالتحكم بالأعداد، وينبغي أن يتزامن هذا مع التوسع والتحكم بالتخصصات بكل مسار، حيث أن أعداد الباحثين عن عمل توضح تراكم المخرجات بتخصصات معينة. ولأن المؤهلات التدريبية للمخرجات لا تتماشى ومتطلبات أرباب العمل ينبغي للموائمة أن تمتد من التعليم لتشمل التدريب والتشغيل.

التدريب من أجل التعمين يُناقش على مستويين: الأول التدريب (قبل/بعد) التخرج، حيث يشير المسح السابق أن 60.5% حصل على فرص تدريبية ولكن 79.6% تدرب لمدة 1-3أشهر؛ ويبدو أن هذا النوع من برامج التدريب لا تلبي الاحتياجات، مما يدفع 33.3% من الشركات لوضع برامج تدريب فني للعاملين حديثي التخرج. المستوى الثاني التدريب التخصصي ويمثل هذا النوع عائق نحو تعمين الوظائف الدقيقة والتخصصية بدليل أن السلطنة تأخرت بتقرير التنافسية العالمية(14) بمحور “توافر خدمات التدريب التخصصي المحلي” لتصل للمرتبة112/138. وينبغي الإشارة أنه خلال فترة الثمانينات والتسعينات ساهم قانون “مساهمة القطاع الخاص بالتدريب المهني”(51) بتطور شراكة نحو إعداد عمالة عمانية مدربة مهنياً، ومن جهة أخرى قدم حافز نحو التعمين باستثناء أجور العمالة العمانية من نسبة المساهمة. ويستنتج أن التعمين الذكي ينبغي أن يدعم بتدريب فعّال يلبي الاحتياجات وبشراكة بين الدولة والمؤسسات الخاصة.

يوجد بعد آخر للنفور من القطاع الخاص يتمثل بالقضايا العمالية؛ وسياسات التسريح العشوائي، والتي أنعكس تأثيرها على كفاءة سوق العمل لتتراجع السلطنة بمحور “سياسة التوظيف والترحيل” للمرتبة120/138 بتقرير التنافسية العالمية، وعلى الرغم من إسهام النقابات العمالية بتسوية النزاعات، إلا أن القرار(575/2013)(16) عطل أداة تعبير نقابي بقطاعات النفط والمطارات في حين أن القطاعات المحددة شهدت تسريح عشوائي للعمالة. هنا ينبغي الإشارة أن عنصر التشغيل بالتعمين الذكي يجب أن يُأمن مرحلتي: التوظيف، والاستقرار؛ ويتطلب هذا الأخير المشاركة النقابية بصنع القرار أو رفضة.

يمكن تمثيل توزيع العمالة العُمانية بالقطاع الخاص بالهرم واسع القاعدة، وذلك يرجع من جهة لسياسة التعمين باستهداف القطاعات نحو تحقيق نسب كُلية؛ والذي تسبب باستيعاب المؤسسات للعمالة الغير الماهرة؛ لاعتبارات الكلفة والمتطلبات المهنية. ولخلق حالة توازن شُرّع القرار(321/2009)(17) ليضمن توزيع فرص التشغيل بجميع المستويات المهنية بتحقيق نسب سنوية كُلية، ونسبة (مهنة/نشاط)؛ ولكن كفاءة تطبيق القرار لاتزال غير مقبولة حيث يفترض أن يصل قطاع المياه والكهرباء لنسبة 90% بعام 2010، ولكن لم يحقق سوى 80% بعام2016(81). التعمين الذكي يجب أن يقيس كفاءة المبادرات التشغيلية ويحدد العقبات ويعالجها مثلاً بموائمة نسب(نشاط/مهنة) مع العمالة المتوافرة، واستخدام البيانات التشغيلية كتغذية راجعة لتجويد التعليم والتدريب.

توزيع العمالة العمُانية أيضاً يبين التوجه نحو توظيف إنتقائي للنوع نتج عنه إختلال في توزيع العمالة بين الجنسين في القطاع الخاص. بالرغم من تفوق أعداد مخرجات التعليم العالي الإناث على الذكور(4)، وتراجع النوع للمرتبة 8 كمعيار للتوظيف(31)؛ إلا أن النوع لايزال –فعلياً- يتحكم بالتشغيل، فمسح الخريجين أكد أن 76% من ذكور يعملون بمقابل 33% إناث، نمط التشغيل بالنوع يتكرر بالقطاع الخاص حيث يشكل الذكور ضعف عدد الإناث. نتيجة لهذا السلوك أزداد عدد الذكور العاملين، وأزداد عدد الإناث بسوق العمل، لذلك لا يُستغرب تذيل السلطنة تقرير التنافسية العالمية بمحور “مشاركة المرأة بالقوى العاملة” للمرتبة128/138. التعمين الذكي يجب أن يضمن –تكافئ الفرص-، ويمكن الوصول لذلك بتحديد نسب الإناث بمبادرة التعمين سالفة الذكر.

أخيراً، الانفاق على التعليم هو أستثمار طويل الأمد لتوفير قوة عاملة دافعة للاقتصاد، ولكن حين لا يتساوى حجم مخرجات التعليم مع التشغيل تتطور أزمة الباحثين عن العمل من حملة الدرجات العلمية. هذا السيناريو يتكرر في سلطنة عمان والتي حاولت من خلال التعمين معالجة هذه الأزمة. ولكن التحديات نحو التعمين تتنوع بين اعتماد الاقتصاد على النفط، وبيئة العمل،والعامل العماني، ولذلك ينبغي أن تقابل التحديات المتنوعة بحزمة من الحلول الفعّالة والذكية التي تستهدف حث أرباب العمل نحو تفضيل العمالة العمانية ويمكن لذلك أن يتم بتعزيز تنافسية العمالة العمانية بسوق العمل.

 

 

 

 

 

المراجع:

  • إنيس.ك، الجمالي.ر، التوظيف العسير وتخطيط التنمية واتجاهات سوق العمالة في سلطنة عمان، سبتمبر 2014، المعهد الدولي للشؤون الدولية-تشام هاوس.
  • البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي »تنفيذ«، كتاب البرنامج، مارس 2017، gov.om. (الدخول: 28يوليو 2017).
  • World Bank, Sultanate of Oman sustainable growth and economic diversification, May 1994.
  • العمالة-الكتاب الإحصائي السنوي 2017، المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، الإصدار 45، ncsi.gov.om، (الدخول: 26يوليو 2017).
  • المستحقات التقاعدية، صندوق تقاعد موظفي الخدمة المدنية، civilpension.gov.om، (الدخول: 23 يوليو 2017).
  • مرسوم سلطاني رقم: (72/92)، قانون التأمينات الاجتماعية. الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية، pasi.gov.om، (الدخول: 23يوليو 2017).
  • Romano J, Seeger.L, Rentierism and Reform: Youth Unemployment and Economic Policy in Oman, Institute for Middle East Studies, May 2014, imes.elliott.gwu.edu, (accessed on 20 July 2017).
  • قرار وزاري رقم: (222/2013)، بشأن تحديد الحد الأدنى لأجور العمانيين العاملين في القطاع الخاص، وزارة القوى العاملة
  • قرار وزاري رقم: (32/2012)، بتحديد الحد الأدنى للعلاوة الدورية وإجراءات وشروط صرفها، وزارة القوى العاملة
  • قرار وزاري رقم: (541/2013): بتحديد الحد الأدنى للعلاوة الدورية للعمانيين العاملين بالقطاع الخاص وإجراءات وشروط صرفها، وزارة القوى العاملة
  • التعمين في القطاع الخاص_المؤشرات التنموية، المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، ncsi.gov.om، (الدخول: 20يوليو 2017).
  • مسح الخريجين لـسنة 2015، وزارة التعليم العالي ” دائرة مسح الخريجين”، http://www.ogss.gov.om، (الدخول: 22يوليو 2017).
  • مسح أرباب العمل لـسنة2016، وزارة التعليم العالي ” دائرة مسح الخريجين”، http://www.ogss.gov.om، (الدخول: 22يوليو 2017).
  • The Global Competitiveness Report 2016–2017, World Economic Forum, weforum.org, (accessed on: 25 July 2017).
  • قرار وزاري رقم: (35/83)، بتحديد نسبة المساهمة المالية التي يقدمها أصحاب الأعمال بالقطاع الخاص لمشاريع التدريب المهني، وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل
  • قرار وزاري رقم: (575/2013)، بتعديل بعض أحكام القرار الوزاري رقم ٢٩٤ / ٢٠٠٦ بشأن تنظيم المفاوضة الجماعية والإضراب السلمي والإغلاق، وزارة القوى العاملة
  • قرار وزاري رقم: (321/2009)، بشأن تحديد نسبة القوى العاملة الوطنية في بعض المهن والأنشطة بالقطاع الخاص، وزارة القوى العاملة
  • 80% نسبــة التعمين فـي قطـاع الكهرباء والمياه، جريدة عمان2016، omandaily.om، (الدخول: 20 يوليو 2017).

قائمة القراءات الإضافية:

  • Françoise De Bel-Air, Demography, Migration, and the Labour Market in Oman- Gulf Labour Markets and Migration, Gulf Research Centre, No. 9/2015, http://gulfmigration.eu.
  • المرسوم السلطاني رقم: (35/2003)، قانون العمل، وزارة القوى العاملة.
  • بيان وزير القوى العاملة (الجلسة الأولى-مارس2017)، مجلس الشورى 2017، youtube.com/user/MajlisAShuraOman.
  • Human Development Report, United Nations Development Programme, 2010, http://hdr.undp.org/sites/default/files/reports/270/hdr_2010_en_complete_reprint.pdf.
  • الأونتكاد، استعراض سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار-عمان، مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية 2014، unctad.org .
  • الدليل الوطني للتنمية “عمان التي نريد”، الجمعية الاقتصادية العمانية، مارس 2013، oea-oman.org .
  • موجز خطة التنمية الخمسية التاسعة 2016-2020، المجلس الأعلى للتخطيط- الأمانة العامة، سبتمبر 2016، scp.gov.om.