المقال الفائز بالمركز الثالث

في مسابقة الجمعية الإقتصادية العمانية

التعمين في سوق العمل العماني ..آلية مستدامة أم مجرد بقاء ؟

ماجد بن عابد بن سليمان الخروصي

لقد هدف برنامج التعمين منذ إطلاقه في عام (1988م) إلى تعزيز مشاركة القوى العاملة الوطنية وتمكينها في سوق العمل، وكبح نمو أعداد العمالة الوافدة. ومع تنامي أعداد الباحثين عن عمل في السلطنة، أصبح التعمين المتبع محلا خصبا للنقاش، لاسيما على مستوى القطاع الخاص؛ فيما إذا كان قادراً على مواصلة دوره في تعزيز المشاركة الوطنية في قوة العمل، أم أنه بات من الضروري إعادة صياغته بما يتوافق مع الخطط الحالية التي تسعى إلى جعل القطاع الخاص الركيزة الأساسية للتشغيل.

إن النمو المتزايد  في القوى العاملة الوطنية والمقدر بمعدلٍ سنوي يبلغ (3.5%) خلال الخطة الخمسية التاسعة (2016-2020م) ، والذي يفوق معدل النمو السنوي للسكان العمانيين والمقدر بنحو (2.6%) وفقا لموجز خطة التنمية الخمسية التاسعة (2016-2020م)، يمثل تحدٍ صعب يواجه الاقتصاد العماني في توليد فُرص عملٍ على نطاقٍ كافٍ لاستيعاب الطاقات البشرية الوطنية، وتمكينها في سوق العمل؛ في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، وهذا ما يتطلب تضافرُ الجهود، لإيجادِ حلولٍ استراتيجية وطنية للتشغيل، تتسم بالجودة والاستدامة ، بدلاً من مدارات الأعراض بخطط تكتيكية قصيرةِ الأمد، والتي لا تعطي حلا جذرياً لنجاح سياسات التشغيل، وعلى هذا الأساس يتناول هذا المقال بصورةٍ تحليلية واقعُ سوقِ العمل العماني، والتحديات التي تواجهه نحو تمكين الشباب لتحقيق نسبٍ معقولةٍ للتعمين، والحلول التي يمكن بها  تعزيز مشاركة أكبر للعمالة الوطنية في سوق العمل.

 إن هيكلَ التشغيلِ في سوق العمل العماني يتمثل في كثرةِ الطلبِ على العمالةِ الوافدة الذي يتجاوز المعروض من القوى العاملة الوطنية، إذ يتسم الاقتصادُ العماني بقيامه ِعلى عوامل الإنتاج الأساسيةِ ، التي تستقطب عدداً كبيراً من العمالة الوافدةِ ذات المستوى التعليمي المنخفض، والذي ينعكس على خصائصهم من حيث مستوى المهارة وتوزيعهم في المهن والأنشطة الاقتصاديةِ التي يغلب عليها كثافة اليد العاملة، علاوة على استعدادهم للعمل بأقل من الحد الأدنى للأجور المقررة للمواطنين، فبحسب بيانات الكتاب الاحصائي السنوي (2017م) الصادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، فإن نحو (90%) من جملة القوى العمالة الوافدة في القطاع الخاص مستواهم التعليمي ثانوي فما دون، و(8%) فقط هم في المستوى التعليمي دبلوم وجامعي، وقد انضم إلى القطاع الخاص من العمالة الوافدة في عام (2016م) نحو(152) ألف عامل، جميعهم من المستوى التعليمي ثانوي فما دون، بنسبة وصلت الى (100%)، وفي المقابل تتزايد أعداد العمانيين الداخلين الى سوق العمل من ذوي المستويات العلمية الجيدة، إذ تشير إحصائيات وزارة القوى العاملة  أن (55.5%) من الباحثين عن العمل العمانيين – بنهاية 2016م – هم من المستوى التعليمي جامعي ودبلوم جامعي. ويقدر عدد الداخلين الجدد الى سوق العمل من العمانيين خلال الخطة الخمسية التاسعة (2016-2020م) بنحو (220) ألف فرد، بمتوسط سنوي يبلغ (44) ألفاً، منهم (84.5%) من خريجي النظام التعليمي والتدريبي في السلطنة.

ورغم أن نسبة التعمين في القطاع الخاص لا تتجاوز(12%) حتى نهاية ديسمبر (2016م) ، مقارنة بنحو (85%) في القطاع الحكومي، إلا أن تلك النسب في مجملها لا تعطي تفسيرا كاملا عن أعداد القوى العاملة الوطنية مالم يتم الأخذ في الاعتبار أعداد القوى العاملة الوافدة في كلا القطاعين، حيث بلغ إجمالي العمانيين العاملين في القطاع الخاص حتى نهاية ديسمبر (2016م)  نحو (233) ألفاً – مقارنة بنحو(1.787) مليوناً من العمالة الوافدة – ، والتي تتقارب أعدادهم مع موظفي القطاع الحكومي والبالغ عددهم (196) ألفا (دون تضمين الجهات العسكرية)- مقارنة بنحو (37.6) ألف من العمالة الوافدة ، لذلك فإن إنخفاض نسبة مشاركة القوى العاملة الوطنية في القطاع الخاص يُعزى في الأساس إلى العدد الكبير من القوى العاملة الوافدة في القطاع الخاص، وانخفاضها في القطاع العام؛ لذلك فبالإمكان القول أن هناك عددأ لا بأس به من العمانيين العاملين في القطاع الخاص، إلا أن الإشكالية الأساسية تكمن في نوعيةِ الوظائف والمهن التي يَشغلها العمانيون حالياً، ومدى مُلاءمتها وقبول القادمين الجدد الى سوق العمل بها؛ في ظل تزايد الباحثين عن عمل من مخرجات النظام التعليمي بالسلطنة؟ فواقع التعمين الحالي في المجموعات المهنية استناداً إلى بيانات الكتاب الاحصائي السنوي لعام (2017م)، يبين تفاوتاً ملحوظاً في نسب التعمين بين المهن الدنيا التي حققت نسب عالية من التعمين مقارنةً بالمهن العليا والمتوسطة التي لا تزال نسب مشاركة العمالة الوطنية فيها متواضعة، حيث بلغ تعمين المهن الكتابية -متواضعة المهارة – في القطاع الخاص نحو (95%)، بينما بلغ في مهن مديري الإدارة العاملة والأعمال نسبة (24%) وفي مهن الاختصاصيين، والفنيين في المواضيع العلمية والفنية والإنسانية، على التوالي (20,2%) و (23.6%). جدول رقم (1)

وتقل نسبة التعمين كثيراً في مهن العمليات الصناعية والكيميائية والغذائية، إذ تبلغ نحو (9%) من اجمالي العاملين في تلك المجموعة المهنية، وتصل الى (5,6%) فقط في المهن الهندسية الأساسية والمساعدة والتي تستحوذ على (44%) من جملة الوظائف في القطاع الخاص.

وعلى صعيد الأنشطة الاقتصادية، فإن الوساطة المالية تحظى بالنسبة الأعلى من التعمين، حيث شكلت القوى العاملة الوطنية نحو (79%) من جملة العاملين في النشاط، يليها

أنشطةُ إمدادات الغاز والكهرباء والمياه بنسبة بلغت (73%) ، ثم التعدين واستغلال المحاجر بنسبة (59.9%)، بينما تنخفض النسبة في الأنشطة اللوجستية الواعدة كأنشطة النقل والتخزين والاتصالات لتبلغ (20%)، و(10%) في أنشطة الصناعات التحويلية. شكل(1)

 

لقد أصبح التعمين بمفهومهِ الكميُّ لا يحقق هدفه المأمول، وبات بمفهومه الحالي المطلق غيرَ متناسب مع التطور الحاصل في خصائص القوى العاملة الوطنية ذات المستوى التعليمي الجيد، والمتطلعة نحو فرص عمل مرضية ومجزية، مالم تتم معالجة ذلك وفق خطةٍ إستراتيجيةٍ مستدامة، موجهةٍ نحو التعمين النوعي، تشجع مشاركةً فاعلةً ومنتجة للقوى العاملة الوطنية في القطاع الخاص.

إن وجود أعدادٍ كبيرةٍ من العمالة الوافدة من الفنيين والبالغ عددهم  (59) ألفاً ، والعاملين المهنيين والبالغ عددهم (337) ألفاً ،ومن هم في مستوى العامل الماهر والبالغ عددهم (353) ألفاً ، والذين يمثلون في جملتهم (50%) من مجموع العاملين الوافدين، وفقا لإحصاءات خطة التنمية الخمسية التاسعة (2016-2020م) ، يشير إلى إمكانية إستغلال تلك الوظائف المهنية والفنية ضمن خطة التعمين التي تستهدف جودةِ الوظائف ونوعيتها ، وذلك يتطلب توجيهَ البوصلةِ نحو تطوير جودة مخرجات التعليم والتدريب ، بما يضمنُ إعدادَ قوى عاملةٍ متعلمة ٍومدربةٍ وموجهة نحو إحتياجات سوق العمل، وما يتلاءم مع القطاعات الإقتصادية الواعدة للإستثمارات الحكومية والخاصة؛ فقد خلصت نتائج “دراسة توجهات الشباب العماني نحو العمل”  الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في سبتمبر(2016م) ، بالإضافة الى مسح ” توجهات أرباب العمل في توظيف الخريجين في القطاع الخاص ” الصادرعن وزارة التعليم العالي في ابريل (2016م) ، إلى أن أبرز جوانب النقص لدى طلبة التعليم العالي والباحثون عن عمل هي ضعف الخبرةِ العملية ومستوى اللغة الانجليزية. ولابد أن تتسم برامج إعداد الكوادر الوطنية بالتعاون المشترك بين القطاعين العام والخاص، وفق برامج شراكة متكاملة لتنمية الموارد البشرية. ولابد أيضاً من الأخذ في الاعتبار أن تشجيعَ وتسهيلَ عمليةِ التعمين التي تستهدف الوظائف المهنيةِ والفنية، مرهونة إلى حد كبير بمعالجة فرق المزايا في وظائف القطاع العام مقارنة بالقطاع الخاص كالأجور، والتي تمثل عنصراً رئيساً في تحديد اتجاهات وتفضيل الخريجين والباحثين عن عمل، ومعياراً مهما لقبول العمل في القطاع الخاص، وهنا تجب الإشارة إلى أن رفع الأجور في القطاع الخاص، يرتبط ارتباطاً وثيقا بتوسيع وتحسين القاعدة الإنتاجية للمؤسسات، وتعزيز استثماراتها، وتشجيع سياسة الأجور المرتبطة بالإنتاجية.